الجمعة: 22 مارس، 2019 - 15 رجب 1440 - 06:04 صباحاً
اخر الاخبار
عربي ودولي
الجمعة: 28 أبريل، 2017
900x450_uploads,2017,04,22,4c69c42124

فرزت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية نتائج من شأنها أن تغير وجه الخارطة السياسية الفرنسية؛ إذ شكلت هزيمة ثقيلة لليمين واليسار لأول مرة منذ عام 1958، وعكست صعودا واضحا في شعبية اليمين المتطرف، إضافة إلى تصدر تلك النتائج شخصية مستقلة شابة حديثة العهد بالسياسة. إختار الناخبون في يوم (23) نيسان/أبريل طي صفحة من الحياة السياسية الفرنسية كما تمت هيكلتها منذ بداية الجمهورية الخامسة، فالنتيجة تشكل زلزالا سيخلف هزات ارتدادية قد تكون دائمة. إنها صفحة جديدة من تاريخ الجمهورية الخامسة، أخرجت من السباق الرئاسي كافة ممثلي الأحزاب السياسية الذين حكموا بشكل أو آخر البلاد في العقود الماضية. 

ستكون المواجهة في الدورة الثانية بين الاشتراكية الليبرالية من جهة والنزعة القومية من جهة أخرى، بين الإنفتاح والإنغلاق.

الجبهة الوطنية حققت أفضل نتائجها في الانتخابات الرئاسية. وإذا تحولت المعركة إلى صراع بين الشعب والنخب، فمن سيكون بإمكانه أن يتكهن بشكل دقيق بالنتيجة؟
أصبح جليا أن الإنتخابات الفرنسية ستعيد تشكيل الحياة السياسية، وهي مفتوحة على كل الاحتمالات، وبالتالي اليقظة مطلوبة خاصة في ظل سطوع نجم السيدة لوبان. جرت الجولة الأولى من الانتخابات في يوم 23 أبريل/نيسان 2017 بمشاركة 11 مرشحا، وتقام الجولة الثانية في السابع من مايو/أيار 2017 بين مرشحين اثنين تصدرا نتائج الدور الأول. بحسب النتائج النهائية التي أعلنت عنها وزارة الداخلية الفرنسية في 24 أبريل/نيسان 2017، سيدور التنافس في الجولة الثانية بين مرشح الوسط إيمانويل ماكرون، ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، وذلك للمرة الأولى منذ قيام الجمهورية الخامسة عام 1958، يخرج الحزبان التقليديان من السباق نحو قصر الإليزيه في الجولة الأولى، وهما الحزب الاشتراكي (ممثل اليسار) وحزب الجمهوريون (ممثل اليمين).

يمثل ماكرون مرشح حركة “السير إلى الأمام” بحصوله على 23.75% من أصوات الناخبين الفرنسيين نموذجا وممثلا للطبقة الفرنسية المثقفة، وله توجه اشتراكي ليبرالي، كما يدعم بقاء فرنسا داخل البيت الأوروبي،  فقد أعلن أغلب المرشحين من اليمين واليسار دعمهم لهذا المرشح الشاب لقطع الطريق أمام مرشحة اليمين المتطرف.

احتلت مرشحة الجبهة الوطنية مارين لوبان المركز الثاني في الجولة الأولى من الانتخابات بحصولها على 21.53% ، وهي المرة الأولى التي يحقق فيها اليمين المتطرف هذه النتيجة التي وصفت بالتاريخية، إذ حصلت على نحو سبعة ملايين صوت. طالب سياسيون فرنسيون الناخبين بعرقلة الطريق أمام لوبان، مؤكدين أن سياستها المناهضة للاتحاد الأوروبي، والمهاجرين قد تخلق كارثة في فرنسا.  إذ تعترض لوبان على سياسة التبادل الحر في الاقتصاد، وترى أنها تفرض على فرنسا تنافسا مجحفا مع الدول النامية، ولذلك تقترح نوعا من الحماية المقبولة والغير متشددة، للاقتصاد الوطني، لا تصل إلى الإنغلاق تماما.  كما تدعو إلى خروج تدريجي من منطقة اليورو والعودة إلى الفرنك الفرنسي.

إن مؤشرات صعود اليمين الفرنسي تدرجت في الانتخابات السابقة على الشكل التالي، في الإنتخابات التي جرت في 21 أبريل/ نيسان 2002 حصلت الجبهة الوطنية على 16.09% من الأصوات، وارتفعت النتيجة في انتخابات 2012 إلى 17.9%، كما حققت الجبهة الوطنية نتيجة متقدمة في الانتخابات المحلية التي جرت عام 2015.

صحيحٌ أن كل الإحتمالات لا تزال مفتوحة بالنسبة لهوية الرئيس الفرنسي المقبل إلا أنه لا بد من النظر إلى ما هو أبعد من الإنتخابات الرئاسية ألا وهي الإنتخابات النيابية التي ستجري في حزيران المقبل.

على الرغم أن الرئيس الفرنسي يتمتع  بصلاحيات واسعة تجعل من النظام السياسي أشبه بالرئاسي، إلا أن الدستور يحمل في طياته ملامح النظام البرلماني حيث تنبثق الحكومة من الأغلبية النيابية، وفي حال لم تكن هذه الأخيرة من نفس اللون السياسي لرئيس الجمهورية، يفترض بهذا الأخير أن يتعايش مع حكومة لا يتشارك وأعضائها المشروع السياسي نفسه.

رغم كل الزخم الذي تتميز به حملة ماكرون الرئاسية إلا أنه لا يزال يفتقر لماكينة حزبية فعالة على الأرض كباقي الأحزاب التقليدية ذات الحضور التاريخي.

فرنسا تعتمد الدائرة الفردية مع النظام الأكثري والتي تؤثر فيها العوامل المحلية إضافةً إلى شخصية المرشحين. رغم هزيمة الحزبين التقليديين في الدور الأول (الحزب الإشتراكي وحزب اليمين التقليدي) إلا أن هذا لا يعني غيابهما المطلق عن الساحة السياسية ولا يلغي حضورهما في الدوائر الإنتخابية، ما قد يدفع ماكرون في حال فوزه بالرئاسة على العمل للوصول إلى تحالف سياسي – إنتخابي (بغض النظر عن طبيعته وشكله) يتيح له الفوز بأغلبية نيابية وهو ما سيكون سابقة في تاريخ الجمهورية الخامسة في حال حصوله خاصة وأن ماكرون لم يعلن إلا عن عدد محدود جداً من المرشحين للإنتخابات النيابية، ما يعني أن الإعلان الفعلي والأكبر للمرشحين لن يتم إلا بعد إنتهاء الإستحقاق الرئاسي ما يفتح الباب على إحتمالية التحالف مع احزاب أخرى.

جدير ذكره أن خصائص النظام شبه رئاسي في فرنسا
تتلخص عناصرها في هيمنة رئيس الدولة أولا، و مسؤولية الحكومة أمام البرلمان ثانيا. كما يتميز هذا النظام بثنائية السلطة التنفيذية حيث يكون رئيس الحكومة وحكومته مسؤولة سياسيا أمام البرلمان وهذه المسألة حتمية  في ظل التعددية الحزبية لذا تؤدي هذه الثنائية إلى عدة نتائج:

1- السلطة السياسية في النظام شبه الرئاسي تحتاج أن تكون قوية، لتتعامل مع البرلمان والتحكم فيه. الرئيس في هذا النظام كثيرا ما يتقاسم الوظيفة التشريعية مع البرلمان عن طريق الأوامر والمراسيم ، وإصدار المراسيم خارج البرلمان، وله الحق في حل البرلمان لتجاوز أزمات معينة ويتولى سلطات واسعة في الحالات الاستثنائية.

2- التعددية الحزبية تستلزم إشراك القوى الفاعلة المنافسة على السلطة من خلال الأحزاب في هذه السلطة حسب تأثيرها وأهميتها وأفضل، مكان لذلك هو البرلمان ، إذ أن الحكومة مسؤولة أمامه.

3- تعد المسؤولية الوزارية عنصرا جوهريا في النظام باعتبارها تمثل الجانب البرلماني فيه والتي تستدعي ثنائية السلطة التنفيذية.

4- أما المسؤولية السياسية لرئيس الجمهورية فهي أمام الهيئة الناخبة.
وبناء على هذا المشهد السياسي فإن إنتخابات ٢٠١٧  قد تغير الكثير في الخارطة السياسية الفرنسية والأمر يتعدى الإستحقاق الرئاسي.